Tuesday, February 23, 2010

رسائل البحر.. في رثاء الجمال وذم القبح وعشق داوود عبد السيد


Avant-Titre

يتوجب على السيد "خالد يوسف" - لو كان يعرف ألف باء اللغة السينمائية – أن يوقف التعامل تماما مع الممثل الشاب "رامي غيط". فما فعله "رامي" هنا هو طعنة قاتلة في ظهر مكتشفه!

Titre

هذه ليست مراجعة نقدية. وكما هو واضح من العنوان فالسطور التالية ستكون كلها في صف "داوود عبد السيد". فعلى من يبحث عن سلبيات فيلم (رسائل البحر)، أو يرغب في قراءة انتقاد لمخرجه. أن يتفضل مشكورا بغلق الصفحة لأنه لن يجد ضالته هنا. وما سأحاول تقديمه هو قراءة لمعاني الفيلم. ليست قراءة كلية بالطبع لأن داوود عبد السيد عودنا دوما أن تحمل أفلامه العديد والعديد من القراءات. ولكنها مجرد محاولة لفهم (رسائل البحر). الفيلم الثامن للرجل الذي كنت ولازلت أؤمن بأنني أقل بكثير من أن أقوم بانتقاده.

رسالة رقم (1)

في مشهد بديع تجلس "نورا/ بسمة" وراء زجاج أحد المطاعم الكلاسيكية الراقية الشهيرة بالأسكندرية. تشرب قهوتها وهي تتابع عبر الزجاج مشاجرة بين أربعة من أطفال الشوارع من أجل علبة كشري. بينما نسمع على شريط الصوت حكاية معاناتها من الملل ومحاولة قتل الوقت. وبأنها تفكر أحيانا أنها كان من الممكن أن تكون أحد هؤلاء الأطفال وهو ما يساعدها قليلة على التغلب على شعور الملل.

ملاحظتين بسيطتين على المشهد.. الملاحظة الأولي هي أنه المشهد الذي يفصل جزئي الفيلم. ولمزيد من الدقة هو المشهد الذي يتغير فيه راوي الأحداث من "يحي/ آسر ياسين" إلى "نورا". وهي الوسيلة التي اختارها "داوود عبد السيد" للفصل بين الجزء الأول الذي يقوم السرد فيه على استكشاف العالم بعيني البطل البرئ، والجزء الثاني الذي نتوصل فيه لنتائج عبر عيني البطلة الأكثر خبرة بالحياة.

الملاحظة الثانية هي أن مشهد مشاجرة أطفال الشوارع مأخوذ بالكامل تقريبا من أحد أفلام "خالد يوسف". وهو مشهد لم يتخط ثوان قليلة لكنه مختلف بالكامل عن الروح البصرية الراقية التي تحملها كل مشاهد الفيلم حتى التي تم تصويرها في الحي الشعبي أو في الكباريه.

باختصار شديد.. البطلة تشعر بالملل وعدم التحقق، وتعيش معزولة عبر جدارن وزجاج المكان الراقي عما يحدث في الشارع. وتطل عبر النافذة على القبح الذي سيطر على كل شيء. فتهون من ألمها الداخلي حقيقة تميزها بعدم الانتماء لهذا القبح!


هي الرسالة الكلية

ويتفق ما نراه على طول شريط الفيلم مع الرسالة التي يحملها المشهد السابق. فمنذ الدقيقة الأولى وحتى مشهد النهاية العبقري يقوم "داوود عبد السيد" بالكشف عن مدى عمق مستنقع القبح الذي أصبحنا متورطين داخله بشكل يومي. بعدما اختلت كل المعايير في الأذهان. وأصبحت قيمة الجمال مصدرا للسخرية من كل فئات "المجتمع الجديد".

فمن أهم سمات المجتمع القبيح أن تكون علاقة أفراده بالأشياء ووبعضهم علاقة وظيفية تماما. تعتمد على حسابات المكسب والخسارة. حتى لو كان الثمن هو القيم والأخلاق والذكريات والجمال. فعلى مدار أكثر من ساعتين يطلعنا "داوود" على نماذج متتالية لأشياء كانت في الماضي تتعلق بقيم المجتمعات الراقية. فأصبحت الآن ممسوخة وعديمة الطعم كما تمليه قواعد المجتمعات القبيحة.. عفواً..المجتمعات الحديثة.

البيت بديع المعمار.. الذي يحمل بخلاف معماره الخلاب ذكريات الطفولة.. ومذاق القبلة الأولى.. ورحيق السنوات التي مضت. تقتضي قواعد المجتمع الحديث أن يتم هدمه ليتحول لمبنى أكثر وظيفية هو المول. وعلى البطل أن يضحى بكل ذكرياته في مقابل الحصول على "عيادة في الإداري" الخاص بالمول. فهي بالطبع تساوي في نظر المجتمع أضعاف أضعاف تفاهات الذكريات.

الزواج.. العلاقة التي يقول عنها تاريخ الانسانية أنها ملاذ يسكن إليه شخص بآخر.. ليخرجا للعالم شخصا يحاولان أن يجعلاه أفضل منهما. أصبحت بحكم شريعة المجتمع الجديد إلى ماهو أشبه بالعهر. مجرد علاقة جنسية تهدف للاشباع الغرائزي "الوظيفي". في مقابل ضمان الأمان المادي "الوظيفي أيضا" للزوجة.

حتى الحياة نفسها.. حولوها لحياة وظيفية تتعلق بقدرة الجسم البشري على الأكل والشرب والنوم والاستيقاظ. حتى لو كان هذا على حساب الذكريات. فصديق البطل "قابيل/ محمد لطفي" يجد نفسه مجبرا على إجراء جراحة ستضمن لجسمه الحياة، ولكنها ستسلبه ذكرياته كلها. وهو المشهد الأهم الذي يجسد لنا "داوود" فيه مأساة أن تكون الحياة بمفهومها الحديث هي مرادف تام للموت!



وأين نحن من كل ذلك؟

البقية المتبقية من محبي الجمال ورافضي فكرة موته لحساب قيم أكثر رداءة وقبحا. والذين يقابلهم المجتمع بكل هذه المعان المتبدلة. يرينا الفيلم أن هذه الشريحة النادرة من البشر تعاني الانعزال كل يوم أكثر من سابقه. فتعلثم البطل في النطق هو رمز لفقدان التواصل.. لكون الأفكار التي يحملها هؤلاء البشر تبدو شديدة الغرابة وعسيرة الفهم على آذان العامة من أبناء المجتمع القبيح. ولا تستدعي منهم سوى السخرية بصورة تدفع عشاق الجمال يوما بعد الآخر للانعزال عن الجميع. مع أحلام بالقدرة على التواصل في يوم من الأيام. فيحي يقول أنه "بيتهته وهو بيتكلم مع الناس، ومش بيتهته وهو بيتكلم مع نفسه.. بس هو عايز يتكلم مع الناس، مش مع نفسه"!

وهل سنصل لهذا التواصل؟

بكل أسف يري "داوود عبد السيد" أن الوصول لهذا التواصل أصبح مستحيلا. وأن القبح يبسط سيطرته يوما بعد يوم على حياتنا. ويحول كل تفصيلة جميلة إلى نقيضها تماما. فالفيلم ينتهي بتحويل الغرفة الصغيرة في بئر سلم البيت. والتي كانت مكانا لقبلات يحي وكلارا الأولى، وموطنا من مواطن اكتشاف الجمال في الحياة. إلى سكن قبيح لبواب أكثر قبحا "هو رامي غيط الآتي من عالم خالد يوسف السينمائي". والذي لا يكتفي بتشويه الصورة الممتعة، بل يقف ليتشدق بقيمه السوقية محاولا فرضها بالقوة على الشخص الوحيد من السكان الذي لم يستسلم بعد لضغوط المجتمع الحديث.



إذا فما هو الحل؟

هل يعني ما سبق أن علينا الاستسلام؟ وهل فقدان الأمل في إصلاح المجتمع يعني أن نتحول لنصبح مثل أفراده؟ بالطبع لا يمكن أن تكون هذه هي وجهة نظر "داوود عبد السيد". والذي يطرح لنا الحل الشديد البساطة والعبقرية في آن واحد. علينا بالبحث عن بعضنا.. ومن يعثر على شخصا آخر من هؤلاء النادرين.. فعليه أن يتعلق به ولا يتركه.. يحبه ويتمتع بصحبته.. يتواصل معه ليشعر بآدميته التي يصر الجميع على قتلها. وعندها فقط ستتمكن من التخلص من شعور العزلة.. بالضبط كما تمكن "يحي" من الحديث مع "نورا" بدون تهتهه!

بالطبع هو ليس حلا جذريا.. ولكنه كاف جدا للتعايش. فقابيل لا يزال مجبرا على الخضوع للجراحة الخطيرة. ولكن أمرها أصبح سهلا بعثوره على "بيسة/ مي كساب" التي سيساعدها حبه لها وحبها له على التخلص من نتائج العملية. وصاحب البيت ابن المجتمع القبيح سيظل يصطاد صيده "الوظيفي" باستخدام الديناميت. ولكن وسط هذا القدر الضخم من السمك المقتول سنجد "يحي" و"نورا" سعداء بكونهما معا.. مستمتعين رغم القبح.. وصامدين رغم ما نراه حولنا كل ثانية من أمثال الحاج هاشم هادمي البيوت الجميلة، وأصحاب محلات السوبر ماركت الاستهلاكية، وقاتلي السمك بالديناميت.

5 comments:

dr.lecter said...

روح وري بقي المقالبه دي للاعبياء والمتخلفين الجهله اللي معجبهمش الفيلم

Muhammad Saber Abdou said...

مقال رائع
من مقالك عن فيلم بالألوان الطبيعية وأنا منتظر جديد ليك في المدونة

داوود عبد السيد نفحة من سينما ربما تغيب عنها الشمس في يوم من الأيام

صباحك ياسمين

hartaka said...

جميل جدا يا شوقي

Tears said...

شفت مدونتك صدفة و عجبتنى طريقك طرحك

بس ياريت كنت تحط صورة للمثل رامى غيط لانى لا اعرف من هو و لم افهم ماذا فعل


تحياتى

Freestyler said...

أجلت كثيراً مشاهدتي لفيلم رسائل البحر .. ابداع داوود عبدالسيد يحتاج لسعة نفسية لم تتوفر لي وقت عرض الفيلم .. شاهدت الفيلم اليوم و على الفور كتبت اسمه في محرك البحث لأعرف ما وصل لغيري من رسائل ربما قد خفيت علي ..
فقط لأجد الجميع يرتدون عباءاتهم الموشاة بالمنطق السطحي .. يقيسون الفيلم بحسابات الدين ليتحدثون عن الزوجة الزانية .. يقيسون الفيلم بحسابات الاخلاق ليتحدثون عن الشذوذ .. مع نبرة الشماتة الواضحة عندما يتحدثون عن خروجه من المنافسة على الترشح للأوسكار !!
قياس خاطئ تعودناه من المجتمع و يكاد يتسلل لعقولنا مع الوقت ..
متى يفهم هؤلاء أن الفن لا هو "تسلية" يمكن أن يجدوها على أي مقهى .. و لا هو "درس خصوصي" يمكن أن يلقنوه في أي موعظة دينية ؟؟
لكني هنا أجد -أخيراً- بعض المنطق .. دعني أخبرك أن ما قرأته هنا زاد من استمتاعي بالفيلم .. كأن قراءة مقالك هو فقرة أساسية لم تكن متعة الفيلم لتكتمل بدونها ..
جزيل الشكر .. و كل التحية